الأحد , أكتوبر 25 2020
الرئيسية / ثقافة وفن / لقاء مع الشاعر والكاتب المتوكل طه

لقاء مع الشاعر والكاتب المتوكل طه

أمد/ رام الله – حاوره وحيد تاجا : أكد الأديب والشاعر الفلسطيني د. المتوكل طه أن مشهد الاستباحة الصهيونية لبلاده كان أول عامل أيقظ الشِعر في داخله.. وفي معرض نقده للذات ولمجايليه من الشعراء قال في حوار طويل: نحن كنّا مؤرخين، لم نكن شعراء. كانت قصائدنا عبارة عن كلاشينكوف وحجر وإطار سيارة مشتعل، تتخذ شكل الشعر ليس إلا.” وأضاف: ” في فترة ما، يقع كل مبدع في وهم كبير مفاده أن الفن سيغير الدنيا، وأن كتابة قصيدة تشبه ظاهرة طبيعية، ومع الوقت يكتشف أن الفن أحد الروافد الفرعية أو ذات الأهمية الأقل في مجريات الواقع الموضوعي” . وحول الشعراء الفلسطينيين الشباب قال :” جنحت القصيدة الفلسطينية الشابة، نحو الأسئلة الفلسفية ونحو الإيروتيك ، وراحت للهامشيّ والمعتم والشخصي، ونأت بنفسها عن مفهوم المقاومة المباشر، وتجرأت في ” التجريب ” بكل مستوياته الشكلاني والموضوعي. *ـ بداية..هل يمكن إعطاؤنا لمحة عن أهم المؤثرات التي لعبت دوراً في توجهك إلى الشعر.. ومن هم الشعراء الذين كانوا مصدر إلهامك .. ؟ استطيع القول إن الاحتلال الصهيوني لبلدي لعب الدور الأول في إيقاظ الشعر في داخلي .. وكان للمحيط الذي نشأت فيه دور كبير أيضا.. ومن ثم الجامعة وما يمور فيها من جدل وحراك وصفحات!.. ..فما زلت أراني صبياً، في التاسعة، أُمسك يد أخي الكبير، وأمشي فوق الشوك والحصى المسنّن، على غير هدى، نركض حيناً، ونهرول حيناً، حتى لا تلحقنا الطائرات، التي ترمي منشورات تدعو أهالي البلدة إلى تركها، وأن يمضوا شرقاً… كان سربا طويلا من النازحين لا ينتهي، ولا يكاد حتى هذه الساعة! فالنكسة لم تنته بعد!.. وعادت بعض الجموع، بعد شهرين، إلى البلدة التي كانت قد احترقت وانهدمت، وأرى أمي، رحمها الله، تدفن رأسها بين كفّيها وتجوح، وألحظ أبي، رحمه الله، يقتعد درج البيت، ساهماً لا يتحرك كأنه تمثال موزّع الأهواء، مأخوذاً بما لم أدركه.. حينها! أي أن مشهد الاستباحة الصهيونية لبلدي كان أول عامل أيقظ الشعر في داخلي. وفي البيت، الذي احتوى كتباً قديمة، معظمها من أمهات الأدب والتراث والتاريخ والفقه والشِّعر، أرى أشقائي وقد حفظوا ما في بطون تلك المجلدات، وراحوا يتبارون في الشِّعر ويتسابقون في سرد الحكايات والقصص، ويحفظون من المعلّقات والقصائد ما تمايز واختلف ونتأ، فأصبحوا مثل عائلة أدبية، والدها شاعر مفوّه أمضى سبع سنوات في سجن عكا، وقد حفر الناس بعض أشعاره على قوس بوابة المسجد وسط البلدة. بمعنى أن المحيط الذي اكتنفني وأحاط بي كان العامل الثاني الذي جعلني شاعراً . وفي الجامعة ..كان للجو الثقافي والفكري دور أساسي في صقل الموهبة وإبرازها . وبظنّي فأنا مثل أي شاعر بدأ متأثراً بكل الشعراء ، ثم بشاعر أحسبه المتنبي أو نزار أو درويش.. إلى أن عثرت على صوتي متأخراً. وأعتقد أن تجربتي الحقيقية بدأت بعد1994. فأنا أنشر في الجرائد منذ سنة1980. وأول ديوان، نشرته في منتصف الثمانينيات. لكن ماكنت أكتبه منذ منتصف الثمانينيات حتى منتصف التسعينيات كان أقرب إلى الصراخ. كان كتابة ضرورة. * ـ قال الشاعر خالد ابو خالد يوم رحيل سميح القاسم: هناك اثنان لا يموتان: الشهيد والشاعر، فكلاهما يتمظهران بالموت، أما نحن فنتمظهر بالبكاء أو الحزن .. وسؤالي ماهو مفهومك للموت، ولماذا يحظى بهذه المساحة الواسعة في قصائدك..؟ الموت هو الحقيقة الكبرى التي نفتح لها بيتاً للعزاء منذ قرن ولم تغادرنا بعد، ولم نغادره حتى الساعة! ودم الموت لم يتخثّر في فلسطين ، كأنه ماء الحياة .. وما زلنا نتعايش مع هذه المفارقة. والموت حياة إذا تساوى الموت والحياة.. والموت رادع ومصلح ومدعاة للإيمان، والموت واضح لأنه حقيقة لا يَرقى إليها الشك، وغامض لأنك لا تعرف كنهه أو متى يكون. والموت عدم ونهاية، أو خلود سرمدي. والموت طريق للحرية والحياة… لكنه يظل مكروهاً وقاهراً ولغزاً سيواجه آخر الأجيال، مثلما أرعب آدم وأبناءه الأولين. ولأنه – كما قلت مكروه ومرفوض – بحث الإنسان منذ وجوده عن بديل للموت، أي عن الخلود أو البقاء، فكان بحث “جلجامش” المضني عن عُشبة الخلود، مثلما كان وعد الله – عز وجل – للمؤمنين بأن لهم الخلود في الآخرة، لكننا حققنا الخلود بالشهادة . إذاً، فالموت عملية تغريب كاملة، لا بُدّ من عملية أخرى مجابهة لها. وقد انشغل المفكرون والشعراء والكهنة بالموت، بل وقامت حضارات كاملة على فكرة الموت ومجابهته، واستعد كل آدمي لملاقاته بأن اجترح آليات عديدة ملموسة وغيبيه لتفادي تداعياته الرهيبة وبظني فإن المجتمعات المقهورة هي أكثر ما يستحضر الموت في الحقيقة والمجاز. *ـ ملفتة هي جرأتك في ممارسة النقد الذاتي ونقد مجايليك من الشعراء ..تقول: ” أعتقد أن معظم أبناء جيلي من الشعراء “تلاشى” فعلاً، كنا قرابة 72 شاعراً! أبحث الآن عنهم، ولا أجد أحداً، فقط بعض الكتابات المتفرقة هنا وهناك… نحن كنا مؤرخين، لم نكن شعراء. كانت قصائدنا عبارة عن كلاشينكوف وحجر وإطار سيارة مشتعل، تتخذ شكل الشعر ليس إلا.” والسؤال. متى ..وكيف حدث هذا التوازن..؟ ما كنا نكتبه ينتمي إلى ما أسميه ” كتابة الضرورة ” ولم يكن لنا آباء نتكئ عليهم، فجئنا مثل الزهر البري ” الموسمي “، وبدا منتجنا كأنه كتابة على الماء ! لقد كنّا ساذجين موهومين. وفي فترة ما، يقع كل مبدع في وهم كبير مفاده أن الفن سيغير الدنيا، وأن كتابة قصيدة تشبه ظاهرة طبيعية، ومع الوقت يكتشف أن الفن أحد الروافد الفرعية أو ذات الأهمية الأقل في مجريات الواقع الموضوعي. سينتبه المبدع إلى أن القوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والطبيعية تلعب الدور الأقوى في تشكيل الرؤى والاتجاهات، وأن الفن – كل فن – يخلق إرثاً جمالياً وقيمياً موازياً. ومع الوقت أيضاً يتطامن الفنان لأن يلتفت إلى نفسه .. وسيعترف بينه وبين نفسه أن الفن هو خياره الشخصي وأنه مجاله الحيوي وأنه فرديته أولاً .. وأنه فضاؤه الذي يطلق فيه حيرته وقلقه وأسئلته . سينتهي المبدع في النهاية إلى أن يقلل من تأثير الجماعة فيه، وأن يُبهت من دور الآخر، ليصبح الفن أكثر خصوصية وذاتية. وربما كان لخصوصيتنا نحن الذين واجهنا الاحتلال وآلته الوحشية ذلك الإحساس العارم بأن القصيدة تحمل سلاحها ونظام دفاعاتها، ولكن ذلك تغيّر .. صرنا نعرف أن القصيدة لها عالمها الخاص الذي لا تتجاوزه، ولها قوة تأثير معين لا تتعداه . لقد كانت هناك غفوة جميلة وغفلة رائعة وربما مقدسة مفادها أن الشعر سيغير الدنيا، وربما كانت هذه الغفلة ضرورية لنكتب المغامرة والجرأة والعنفوان، وحتى نصل الآن إلى مرحلة الوعي والنضج، حيث نكتب قصيدة ذات حرارة أقل ولكنها تدوم أطول، إنني أشكر هذا الوسواس الذي بدأ دبّ في رأسي. وقد تولد الوسواس الجميل هذا من القراءات والاحتكاك بتجارب الناضجين. *ـ تقول في أحد حواراتك: ” إن الشخصيات التي أكتب عنها هي أنا أيضاً، هي ما أرغب وما أتمنى وما أحلم وما أطمح وما أكره وما أرفض” .وسؤالي الى أي مدى يمكن للشاعر أن يكون حياديا في حديثه عن الشخصيات التي يتناولها في قصائده..؟ نعم، أدّعي أنني أحب ما أكتب عنه، انفعل به، أتقمصه، أتفحصه إلى الدرجة التي أسمع فيها تنفسه ونبضه وكل خلجاته .. وأدّعي صادقاً أن “هارون الرشيد” كان صديقي طيلة كتابتي لديوان “حليب أسود”، جلست معه، وطربت في مجلسه، وسمعته وهو يشكو وهو يتأمل وهو يأمر بتصفية البرامكة. وأدّعي أيضاً أن الأميرة “العباسة” شقيقة الخليفة كانت صديقتي، وأنني أعرفها عرقاً عرقاً، شعرة شعرة . وبسبب من ذلك، تحدث الجميع في الديوان بالقوة والقدرة نفسها على التعبير، دافع الجميع بلا استثناء عن مواقفهم بأقصى وأقوى ما لديهم من حجج ومرافعات . وللدقة، وحتى يكون الكلام دقيقاً، ودقيقاً جداً، فإن الشخصيات التي أكتب عنها هي أنا أيضاً، هي ما أرغب وما أتمنى وما أحلم وما أطمح وما أكره وما أرفض . الشخصيات هي تنويعات للمشاعر والرغبات والميول الدفينة، وأعتقد هنا أن المبدعين على اختلاف أنواعهم يخرجون ميولهم على شكل شخصيات . وبالتالي فإنهم يقتطعونها من خضم هائل ومضطرب من كل الطيف الشعوري المقبول وغير المقبول وما بينهما . * ـ يرى النقاد أن الصور الشعرية هي قمة الإبداع في قصائدك.. وكأنك كشاعر ترى روح الصورة مسبقًا، فتستعير اللغة لتجسيد الصورة في كلمات..ماقولك ؟ أعتقد أن الشعر، الذي هو أكبر من نظرياته ومدارسه ومنظّريه ، هو ” سينما ” بالكلمات، والشاعر الفحل هو القادر على ” الرسم بالكلمات ” على رأي نزار رحمه الله. وإلا يكون ” الشعر ” ذهنياً وتقريرياً وأقرب إلى “النظم” . * ـ تناولت العلاقة مع (الآخر) اليهودي في أكثر من دراسة وقصيدة..كيف ترى الان هذه العلاقة .. “..وهل اختلفت بعد اوسلو عما قبله. سواء على صعيد تقبل العربي للآخر أو العكس.. ؟ يختلف معنى “الآخر” في فلسطين عنه في أي مكان آخر، ذلك أن “الآخر” هنا، ليس مجرد فكرة، أو مجرد منتوج صناعي أو ثقافي، بل هو يتواجد بمشروع استيطاني إحلالي مرعب، يستعمل ليس فقط، تكنولوجيته وإنما أيدلوجيته أيضاً، وهو لا يأتي بذلك منفرداً، بل يأتي معززاً برؤية غيبية وسياسية وفيزيائية غربية ومدعومة من الغرب، رؤية مسبقة وموتورة ولها أهداف واضحة، “الآخر” في فلسطين صاعق وقوي ومسيطر ومُذِل، لا يمكن تجميله أو أنسنته أو حتى التوصل معه إلى نقاط اتفاق، ذلك أنه يهدف إلى سلب الأرض من جهة وطرد أصحابها من عليها من جهة أخرى، وتسمح له عقائده وأوهامه وقوته بذلك، في الوقت الذي يتم فيه استحسان هذا العمل أو شرعنته من قبل قوى كبرى كشفت فيه عن عطبها البنيوي وعيبها العضوي. في فلسطين، تتم معرفة الآخر ليس من خلال وسائل المعرفة العادية، وإنما من خلال لغة الدم ورائحة التراب. في فلسطين، يدفع شعبي دمه من أجل أن “يفهم” هذا “الآخر”. هذا “الآخر” الغريب، المحتل، يشهد عمليات تحول حقيقية في وجوده وأهدافه وكيفية التعامل معه. ولعلي أجزم أن العلاقة مع الآخر ” الاحتلال ” لن تتغير مهما فعل السياسيون وحاولوا .. * ـ في ذات السياق ـ كيف تنظر إلى الأدب الصهيوني الجديد (شعرا ورواية) الذي يحاول إظهار الرغبة في التعايش مع العرب، وأين يمكن تصنيفها ..؟ لا توجد جماعة صهيونية ذات تأثير يمكن أن تعترف لنا بحقوقنا التاريخية، وربما ظهر من يطالب بـ ” تحسين ” ظروف حياتنا الاقتصادية .. في أحسن الأحوال!. وهناك أفراد استيقظ ضميرهم وثابوا إلى رشدهم وكتبوا ما يتماهى مع الحقيقة، ولكن لُحمة المجتمع الصهيوني لم تغادر عنصريتها وفاشيتها واستعلائها.. ومن الوهم المراهنة عليهم . * ـ يلاحظ الاتكاء الكبير في قصائدك على الرموز الدينية (القرآنية والتوحيدية والمسيحية..) في ظل غياب واضح لتوظيف لتراث الديني اليهودي في شعرك. لماذا..؟ لعل العداء التاريخي و” مقاطعة ” كل ما هو يهودي والتوجّس منه هو السبب. علاوة على أن روايات اليهود والصهاينة التاريخية عن أنفسهم وعن غيرهم ( الأغيار – الغوييم ) سلبية وعنصرية وملفّقة ومزوّرة . * ـ استوقفني ذلك التناقض في أسماء قصائدك ” حليب اسود “.. الخروج إلى الحمراء .. مواسم الموت والحياة ..قبور الماء..رغوة السؤال. ؟ النص يُسمّي نفسه، فهو تكثيف للمعنى العام الذي يشتمل عليه، وهو مفتاح الباب للولوج الى فضائه ، وهو ذروة أو تاج الفكرة الكلية وروحها ،وهو المُغلّف الذي يُغري بالاقبال عليه، وهو جزء مهم وأساس ومساند للنصّ. واعتقد أن العنوان يشه ” النظرة الأولى ” للوقوع في حب الكتاب. * ـ اعتبر بعض النقاد مجموعة “حليب أسود”، والتي تناولت فيها حكاية هارون الرشيد والبرامكة، أنها تؤرخ بداياتك الإبداعية الفعلية.. لماذا برأيك ؟ أعتبر أن هذه المجموعة هي أول محاولة شعرية لا ” أخجل ” منها فنياً. وهي بداية الإدراك والفهم والنضوج، ويا ليتني أستطيع وأمزّق كل ما كتبت قبلها ! فهي التي، معها، فهمت ماهية الشّعر وكيف يكون. * ـ كان ملاحظا أن مجموعتك اللاحقة (الخروج إلى الحمراء ).. عن أبي عبد الله الصغير وتسليم غرناطة ، لم تلق نفس الصدى والاهتمام من قبل النقاد ..؟ لأننا ما زلنا نعاني من غياب آليات إيصال نصوصنا إلى محيطنا العربي، ولانعدام النقد الحقيقي في فلسطين. * ـ ونحن نقرأ ” الخروج إلى الحمراء “: لابد أن نتساءل : لماذا الخروج إلى الحمراء، وليس الخروج من الحمراء..؟ وهل تكتب عن سقوط غرناطة، أم عن فلسطين ؟ لأنني أدعو للخروج إلى الحمراء .. لاستعادتها، وأن لا نُسلّم بالخروج منها. والحمراء هنا هي كل ما ضاع واستباحه الآخرون / في الشام والمغرب وكل مكان. والحمراء هي فلسطين والأندلس وسبتة ومليلة والاسكندرون والجولان وفلسطين، ولا ينبغي التسليم بالأمر الواقع إطلاقاً. * ـ استوقف العديد من النقاد والكتاب غموض اللغة في كتابك (ورد القوافل)، ورأى احدهم:” ان المتوكّل كتب كتابه بلغة غاص فيها في الغموض، فاستعجمت على الكثيرين” . والسؤال هل الغموض والرمز مطلوبان في النثر كما هما في الشعر؟ الغموض غير الإبهام ، فالأول وعي وقدرة، والثاني عجز وعجرفة ساذجة . والغموض يشفّ وينبئ بمحتواه وإن لم تدركه ! والغموض سعة وثراء وتحدّ للمتلقى ليصعد معك إلى الأعالي . والغموض نسبيّ ومغرٍ . والرمز أحد أدواته, ولا فرق بين الأجناس الأدبية عند الحديث عن هذه الألماسة المشعّة التي تسمونها غموضا .. *ـ تبدو صورة المرأة الفلسطينية عند الشاعر المتوكل طه متذبذبة وغير مكتملة، تتراوح بين الصورة التقليدية أو السالبة؛ ما قولك..؟ هذا معاكس للحقيقة إذ تعتبر قصائد ديوان ” زمن الصعود ” في السجينات المناضلات الفلسطينيات – كما قال النقاد – من أهم ما تناول المرأة وأعطاها بُعداً جديداً . ثم إنني نشرت مؤخراً رواية ” نساء أويا ” التي تعتبر رواية المرأة وخطابها ومرافعتها التاريخية . ثم انظر نصّي ” ملح يافا حلو ” فسترى أنني أول منافح عن المرأة ، بوعي وتوازن وشغف. * ـ من المعروف انك ترفض بقوة هيمنة السياسي على الثقافي وهيمنة الشروط السياسية على الشروط الفنية، وسؤالي كيف تنظر إلى علاقة المثقف بالسلطة السياسية .. ؟ لا علاقة بينهما سوى أن يظل المثقف “ناقداً ” للسياسي، لا يتبعه ولا يبرر له، ويطلب الفردوس الأعلى إذا وفّر السياسي الجنّة ! بمعنى أن يبقى المثقف متجاوزاً يستشرف الأفضل والأكمل ويسعى لهما. والمثقف الجيد هو الأبعد عن السياسي، والسياسي الجيد هو الأقرب على الثقافي. ولا مبرر للمثقف أبدا أن يصطف مع النظام مهما كانت مصوغاته للقتل، لأنه لا يوجد تبرير لقتل الشعوب على الإطلاق، ولا ذرائع للاصطفاف ضد الجماهير’. * ـ تعتبر من أهم الشعراء الذين كتبوا عن المعتقل .. وعادة ما يكون السؤال عن انعكاس السجن على الشعر .. ولكني أريد ان اطرح سؤالا مغايرا وهو ماذا يعني الشعر وما الذي يفعله بالشاعر وهو في المعتقل..؟ ما الذي يفعله الشّعر فينا ؟ شكرا على هذا السؤال، عندما كنت هناك، في ذلك السجن الرديء عرفت ما معنى الشعر وما الذي يفعله فينا. كان أشبه بالهوية أو بالتعريف، كان أشبه بالمميز والمحدد لي، بعيداً عن أولئك الذين لا وجوه لهم ولا أسماء، كان أشبه بالتواصل مع طائر الدوري مكسور الجناح، الذي يبدو أنه لا يستطيع مغادرة خيمتنا. وعندما تصاعدت نبتة البطيخ وامتدت على طول السياج باتجاه الشمس ، شعرت أن قصيدتى تشبه تلك النبتة. كانت القصيدة، هي بيتي ومكاني وهي مائدتي وهي طعامي. القصيدة ترد على قسوة العالم و فظاظته وفانتازيته، القصيدة بالنسبة لي توازن واعتدال وواسطة، تعلمت ذلك كله فى السجن. عندما حشرنى المحتل فى زنزانة انفرادية، حشر في زنزانة أخرى شاعر آخر، ولما بدأ المحتل بضربنا، انفجر كلانا بالشعر، كنا نصمد بالشاعر، وكنا نحتفل بشّعر لا يفهمه المحتل، وكأنه تعويذة السحر او طوطم الحكاية التي تحكى كل الأجيال . كانت القصيدة فى تلك اللحظة ناري التي اصطلي بها ودثاري الذي اتغطي به. المحتل الذي كان يضربني اعتقد أنني أتوجع فاظهر اغتباطه، ولكن لما عرف أنني وصديقي ننطق بالشّعر جن جنونه. مكثت في الزنزانه الانفرادية أكثر من سبعين يوماً، لم ينقذنى فيها سوى الله ثم الشعر. هناك في السجن، حيث يقايضني المحتل بحرية جسدي ، كانت القصيدة أرض إرادتى، وفضاء قلبي الذي لا يستطيع أي محتل على وجه الكوكب كله أن يحرمني إياها. والحرية أقوى ! * ـ سؤال أخير. كيف ترى المشهد الشعري الشاب في فلسطين..؟ مع اندلاع الانتفاضة الكبرى العام (1987)، حدث أمران مهمان جداً : الأول : صعود فكرة المقاومة وإمكانية الانتصار. الثاني : القبول بفكرة “إسرائيل” والتعايش معها. وهذا قد يحير المرء، إذ نجد وجهتي نظر متعارضتين تماماً، ولكن هذا ما حدث، فما لم يقبله الشعب الفلسطيني قبل الانتفاضة (كاتفاقات كامب ديفيد مثلاً) تم قبوله من خلال صيغة مؤتمر مدريد العام (1992)، ومن ثم إعلان اتفاق أوسلو العام (1994). وفي هذه الفترة المضطربة؛ مرحلة ما بعد السلام، دخل معظم الكتّاب مرحلة اللايقين والشك والتردد، فحصوا مقولاتهم، وتشككوا فيما لهجوا به طيلة الوقت، وأدركت بعضهم الخيبة، ولحق بالبعض الآخر ما لحق بالمشهد كله من رماد. وأظن أن القصيدة الفلسطينية الشابة، على الخصوص ، جنحت نحو الأسئلة الفلسفية ونحو الإيروتيك ، وراحت للهامشيّ والمعتم والشخصي، ونأت بنفسها عن مفهوم المقاومة المباشر، وتجرأت في ” التجريب ” بكل مستوياته الشكلاني والموضوعي. وأعتقد أن لدينا موجة عارمة من الشعر الجديد المتنوّع والمختلف، وهو بحاجة إلى غربلة وتبصّر ونقد ودراسة، وهو ليس شعرا واحداً.

شاهد أيضاً

صورة سيلفي تكشف لون عيني نيللي كريم الحقيقي

أمد/ نشرت النجمة المصرية نيللي كريم صورة جديدة لها على صفحتها على "انستغرام" بدت فيها من دون مكياج. وتحرص نيللي كريم على نشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، وغالباً ما تكون على طبيعتها ومن دون مكياج، إلا أنها أثارت ضجة هذه المرة بالصورة السيلفي التي أظهرت لون عينيها الحقيقي. لاقت الصورة اعجاب الآلاف من متابعيها، وتباينت التعليقات بين من رأى لون عينيها أخضر، فيما رآه آخرون عسلياً. وفي الحقيقة، فإن لون عينيها يختلف بين اللونين بحسب الضوء وانعكاس ملابسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *