الإثنين , أكتوبر 19 2020
الرئيسية / ثقافة وفن / حَرِيقُ الثَّلْج .. !! (صلاح أبو غالي)

حَرِيقُ الثَّلْج .. !! (صلاح أبو غالي)

عِندَمَا يَعْجَزُ كَاهِلُكَ عن حَملِ الهُمُوم المُتَراكِمة فَوْقَهُ ، يَلجَأُ إلى الهُرُوب ، فيبدأُ جَسَدك يَتَرنَّح وَتَخُورُ قُواكَ فَتَلجَأُ إلى أقربِ مكانٍ تَجِدُ فِيه نَفْسَك ، وتَسْتَكينُ فيه الرُّوح ، ظنَّاً مِنكَ أنَّ هذا المكان سَيَدعُو هُمُومَك لِلنُزُولِ إلى أرضٍ غَيرَ الأَرضِ التِي تَمتَطِيها ، لِيَستَريحَ الجَوادُ المُنهَك بَعدَ طُولِ رَحِيل .. عَجْزٌ أَلجَأَ شُكري إلى شاطئِ البَحر ، وَبَدَأت خطواته الصَّامتة على رمال الشاطئ ، استمر وواصل المسير حتى أن رأى صخرةً باديةً على حافَّة الشاطئ توجَّه نحوها واعتلاها وجلس ، وما هي إلا لحظات اختلط فيها جسده بالصخرة فلا تكادُ تُفرِّق بينهما ، كيف لا وقد جلس صامتاً دُونَ حِراك ، ولا يتحرَّك فيه إلا صَدرُه من وَقْعِ أنفاسه وعينيه التي تَرمِش ، جلس ينظر إلى البحر ، يَرْمُقُ الأمواج بِبَصَرِه ، موجةٌ تُلاحق الأُخرى في دورةٍ لا تنتهي ، ومعها بدأت أفكاره تتلاحق ، وتتسابق ، في صِراعٍ خفيّ لاحتلال ذُهْنِه والسيطرةُ عليه ، وإذا أَلَحَّت عليه الهُمُوم وَتَدَاعت ، رفع بصره إلى الأُفُقِ البعيد صَوبَ الغُرُوب ، ولحظاتٌ يَنغَمِسُ فيها فَإَذا به يَتَنهَّد ، وَيَتَكَرَّرُ المَشْهَد ، ولكن !! بعد وقتٍ من صمته وتنهُّداته ، فَإِذا بِسَيلٍ مِنَ الدُّموعِ يُغالِبُ صُمُودَه ، فيأخُذُ طريقَهُ على خدَّيهِ دُونَ توقُّف ، وفجأةً إذا بِشُكرِي ينتفض ، فقد أوجعته الجِراح وتسلَّل إلى قلبه الألم ، فقد جرَّب وقاسى وعانى مرارة الحياة ، وظُلم البشر ، فلم تكتفي العثرات من نيلها منه ، وما بدا من الحياة له فقط هو وجهها الكَالِحِ بِلَوْنِ الخَريِف ، وقَسَماتِ الذِّكريات التي أصبحت مُتَغَلغِلَة في طيَّاتِ ذَاكِرَتِه ، وَتَتَراكَم عليها كما يَتَراكَم الصَّدأ على الحديد ، وأنَّى لهُ أن ينسى .. كيف لا ، فقد خرج من رَحْمِ أمِّهِ للحياة في وقتٍ تَمَكَّنَ فيه المرض من والده الشيخ الكبير ، فأقعده عن العمل ، أمَّا والدته فلا تسمع ولا تتكلَّم ، وكان لا بُدَّ للأسرة من مُعِيل ، من صاحب ضمير يحتوي الألم ويُعينهم على قسوة الحياة .. الأعمام ، الأخوال ، مُجرَّد مُسمَّيات نَرِثُها بِحُكم الواقع وصلة القرابة لا أكثر ، فلا أحد منهم خَطَى بِقَدَمَيْهِ نحو بيتِ أخيهم أو أختهم ليرى طعم ولون للحياة مُختلف كل الاختلاف عن ذلك اللون والطعم الذي أَلِفُوه وَعَايَشُوه .. وكان لا بُدَّ من تضحية ، من بطلٍ يَمْتَطِي صَهْوَة الجَوَاد وَيُصَارِعُ الحياة بِقَسوَتِها وَمَرارَتِها ، ويأخذُ بِزِمام الأُمُور وَيَتَصَدَّر المكان وَيَقُودُ هذه الاسرة نحو شاطئ الأمان .. ولكن كيف يتصرَّف ، ومن أين يبدأ ، فقد كان فارساً لا يُشبهُ الآخرين ، ولا يمتلك مُؤَن الطَّريق وَزَادها ، لكنَّهُ لم يستسلم .. كانَ للشيخ الكبير بنات متزوِّجات ، من زوجته الاولى ، الصغرى معلِّمة ، والكبرى ربَّة بيت ولم تُنجب أطفالاً ، كان للكبرى فرصة المساعدة بِحُكم تفرُّغها في بيتها ، وبدأت تشُقُّ على بيت والدها وتساعدهم بما تستطيع .. سَنَواتٌ وَأَنْجَبَت زوجة أبيهم طِفلاً آخر لِيَزداد العِبءُ أَكثَرَ وأكثَرْ ، لكنَّها إرادة الله ، ورغبة البنات ، فقد رغبن في اخوان ذُكُور وَكُلُّهنَّ بَنَات .. تَوَالَت الأيَّام ، وإذا بِزَوجِ الأُختِ الكُبرى يَتَذَمَّر ، ويشترط عليها ألا تتدخَل في شَأنِ أهلِها ، وَعَدَم تَركُ البيت ، إلا أنها رفضت وأصَرَّت على التضحية ، فمن للصِغار من مُعِيل ، والوالد كَهلٌ مريض ، والأُم عاجزة لا تسمع ولا تتكلَّم ، ومع زيادة الضغوط من زوج الكبرى طلبت الطَّلاق وضحَّت بزواجها لأجل المُهِمَّة الكُبرى ، فقد كانت هديَّةُ القَدَر لأُسرةٍ ضاقت بها الحياة .. وبدأت فارِسَة الزَّمانِ أُولَى الخطوات ، دخلت إلى مكان عَهْدُ النَّاس به أنه للرِّجال فقط ، وأعانها رجُلٌ صاحب ضمير ، وعلَّمها ما لم تكن تعلم ، فالأسواق العمل فيها جِدُّ شاق ، والتجارة تحتاج إلى المهارة ، وأراد الله أن يكون لها ما أرادت من مصير ، وَتَمُرُّ الأيَّام ، وتتوالى السُنُون ، ويموت الشيخ الكبير ، ويزداد الحِمل ، وتشتد قسوة الحياة ، لكن الأخت الكبرى صبرت وجالدت وغالبت ، وكانت بِقُوَّة الرِّجال ، وصُمُود الجِبال ، وعَزِيمة الأبطال ، وواصلت الرِّسالة ، والطَّريق .. كَبُرَ الاخوة وأصبحوا رجال ، ولم تُفسِح لهم الحياة مجال ، فالطَّيِّبون نصيبهم قليل ، ولُصوص الحياة ينهَشُونَ الضُعَفاء ، ويكنِزون المال ، ولم يعلموا أنَّ الحياة يوماً إلى زَوَال .. كَبُرت الأخت الكبرى وكانت في عونها الصغرى ، فد جادت بما يَسَعْهَا من مال ، ولكنَّها الحياة ، تَتَخَطَّف كل جميل ، مَرِضت الأخت الكبرى ، وكان لا بُدَّ للفارِسةِ من رَحِيل ، وقد حان دورُها في الرَّحيل .. لكنَّها أكملت الرسالة ، وأدَّت الأمانة ، وصنعت رجالاً ليسوا كالرِّجال ، فعلت لهم ما عجز عنه أباءاً على رأس عوائِلِهِم ، وأشاد بما فَعَلَت كل من حولها .. رَحَلَت من الدُّنيا جَسَداً ، لكنَّها عَزَفَت في قُلُوبِ إِخوانِها لَحْنَ الخُلُود .. زَرَعَت حُبَّها في قُلُوبهم ، وكيف لا ، فالحُب يُولَد وَيُوهَب ، لَكِنَّه أَبَداً لا يَمُوت .. وَتَبْدَأ دَوْرَةُ الحَيَاة .. لم ينسى شُكري تلك الورقة التي وقعت بين يديهِ ، من بين كومةٍ من أوراقٍ مَخْزُونَةٍ في صُندُوقٍ صَغِيرٍ مُخَبَّأ في خِزانة الأخت الكبرى ، ولم ينسى ما بها قد كان مكتوب ، عَلِمَ مِنها أن والده كان في صُفُوف الثُّوَّار ، حَمَل السِّلاح وَقَاوَم ، ولم يكن إلا بين الأُسُود ، وأنَّه امتلك سلاحاً “بارودة انجليزية” وفَعَلَ بها الأفاعيل ، فقرَّر شُكري أن يُواصِل درب والده ، ذلك الدرب الذي يَعْشَقُهُ الأبطال دُونَ غيرهم ، إنَّهُ طريقُ التَّحرير والثَّوْرَة .. وكانت لحظة الحقيقة ، فقد تَوَجَّه شكري لِقيادة المقاومة وأَلَحَّ عليها أن يكون في صفوفهم ، ولكن كان لا بُدَّ للقائد من سُؤال ، يَتَثبَّت به من إِصرار هذا الشَّاب ، فالطَّريق جَدُّ صعب وخطير ، وليس بالهَيِّنِ واليسير ، مَفروشٌ بالأشواك لا بالوُرود ، وحَانَ دَوْرُ الجَّواب .. شُكري ورِث حُبَّ فلسطين عن أبيه وَحَمَل الرِّسَالة وقرَّر مواصلة الطريق ، فقد شابه الرجلُ أباه ، وذكَّره القائد بأنه شاب وفُرص الحياة كثيرة ، والشَّباب يلهثون وراء تَرَفِ الحياه وَلَهْوِهَا ، لكنَّه كان مُدرِكاً أنَّه ليس كباقي الرِّجال ، وَأَنَّ الحَيَاةَ بِقَسوَتِها أَنْسَتهُ حُبَّ الخُلُود فيها ، فلم يعهد فيها إلا اللون الأَسْوَد .. وجاءَ وقعُ الجَّواب : أخي القائِد ” أَيْنَمَا يَكُونُ جُرحُ الإِنْسانَ فَقَلبُهُ يَخفِقُ هُنَاك !! وَأَنا جُرحِي هُنَا ، لِذا قَلبِي يَخفِقُ هُنَا ، وَلَمْ أستطيعُ الذِّهابَ إلى أَيِّ مَكَان .. فَفِلسطينُ هِيَ جُرحِي النَّازِف …” عجيبةٌ تلك الإجابة من شاب يافع مليء بالحيوية ، وقلبه أخضر كالرَّبيع ، ومع أنَّه فصلُ الصَّيف إلا أنَّ كلمات شُكري كانت تتساقط على قلب القائِد كما تتساقط حبَّات الثَّلج فَتَغلِي من سُخُونَةِ مَشَاعِرِ القَائِد المُتَّقِدة وَتَحْتَرِق .. صَمَت القَائِد ، ثم ابتَسَم ، وقال ” غَلَبتَنِي يا ابنَ الأُسُود ، فهذا الشِبلُ مِن ذَاكَ الأَسَد ” وَتَدُورُ رَحَى الأيَّام ، وَيَدُورُ معها شُكري ، وتزداد ضَرَاوَة المُواجَهات والاجتياحات ، ودَيْدَنُ الرِّجال الثَّبات على الحَقِّ والصُمُود ، وما كان للعَدُوِّ مِن مَكَان يَسْتكينُ فيه إلا وَيَخرُج لهم فيهِ ثائرٌ يزأرُ كَالأُسُود ، وَيَجِزُّ رُؤُوسَهم بِسَيفِ العَدَالَةِ وَينثُرُ أَشلاءَهم لِيَدُوسُها الثُّوَار ، فمنهم من يَرْحَل لِلِقاء رَبِّه ، وآخرٌ يَتِمُّ أَسْرُه ، وَمِنُهم مَن يَعُود … تَحتَ قَسْوَةِ الضَّرَبات ، وإِصرارِ الثُّوار المَيَامِين ، ، وإيمانهم بأنَّ ما أُخِذ بِالقوَّة لا يُستَرَدُّ إلا بِالقوَّة ، يهرب الصهاينة من غزَّة ، يَجُرُّونَ ذُيُولَ الخَيْبَاتِ والهَزَائِم ، ولكنَّهم أَمْكَرُ مِن بَنِي البَشَر وَأَحْقَرُهُم مَكَانة .. فقد ضَرَبَ العَدُوُّ على غَزَّة الحِصار ، أَرضَاً وَبَرَّاً وجَوَّاً ، ولم يكتفي بما فعل ، بل شَنَّ الحرب تِلوَ الأُخرى ، وَقَتَل المَزِيدَ والمَزِيد ، ولكنَّ المُقاومة قرَّرت الصُمُود ، وَرَدَّت الصَّاع صَاعَينِ وَيَزِيد ، وأصبحت أكثر قُوَّةً وصلابةً من الحديد ، أمَّا شُكري فكان كَغَيرِهِ مِن صَفْوَةِ الرِّجال ثَابِتُ العَزْم ، ولم ينسى لحظةً كلماتُ قائِدِه الذي رَحَل شهيداً لِيزداد صبراً فَوقَ صَبرِه ، وَيُعِّلمَ الجُنُود المُجاهِدينَ كيف يكونُ الصَّبر على الطَّريق ، وقد وَرِثَ القِيادةَ والمَصِير .. اخوتي : ” حَبَّةُ القمح تُغطيها الثُّلوج ، فتنتظر وتنتظر طويلاً حتى يحترقُ الثَّلج من وَهْجِ نُورِ الشَّمس فيذوب ، فإذا بِمائِهِ حبَّةُ القمح تتفتَّح براعمها وتنبت وتخرج لِتَحتضن الحياة ” .. كان يُؤمن بالقضيَّة ، وأنَّ مَشَاعِل التَّحرير تُوقِدُها دِماءُ الشُهَداء ، وصُمودُ الأسرى في سُجُون القَهرِ عِندَ بَنِي صهيون ، وأنَّ رِسالة الجِهاد والمُقاومة هي دعوةٌ لِكلِّ حُرٍّ أن يكونَ صاحبَ ضَمِير ، أن يَضَعَ نُصْبَ عينيه رمزُ العقيدةِ أقْصَانَا والوَطَنِ الأَسِير .. أنتَ تُصارِعُ لِأجلِ النُورِ ، فَتلفُظُ أنفاسَكَ في الظَّلام ، غريبةٌ تِلكَ البِداية ، وَمُؤلمةٌ تِلكَ النِهاية .. عِلمٌ تَحُوزهُ ، وحُرِّيَّة تَنَلها ، فتحوزُ نَصراً ، أو أسِيراً في ظُلمَةِ السِّجنِ ، أو شَهيدَاً في ظُلمةِ القَبرِ ، فإمَّا نَصرٌ وإمَّا شَهادَة ، وهذا طَريقُ الأحرار ، وفلسطين قابعةٌ تَنتَظِر … رَحَلَ عنَّا أحِبَّةٌ وقادة ، على دَربِهم نمضي بِإِرادة ، فنحنُ عُشَّاقُ الشَّهادة ، وفي كُلِّ يومٍ حكاية ورجال ، ونظرةُ عِشقٍ وَضَبَابُ الأبطال ، وعلى الدَّربِ نَسيرُ الخُطَى وهذا فَصْلُ المَقَال .. أرضٌ تُزهِرُ بِالشُّهداءِ كَالرَّياحِين ، حَقٌ علينا أن نَحمِيها بِدمَائِنا في كُلِّ حِين ، فكيف تَهُونُ وَهِيَ دُرَّةُ تاجِ الجِنانِ فلسطين .. وَعَجَباً لَهَا !! تَحْتَرِقُ فِيَنا المَشَاعِر ، تَذُوب عِشْقَاً لِلوَطَن كما تَذُوب الثُّلوج وَتَحْتَرِق … وَجَدَ شُكري نَفْسَهُ تائِهاً بين الذِّكريات ، ويرتَحِلُ بينها كما يَرتَحِلُ طائرُ النَّورَس عِندَ الغُروب ، وَوَجدَ نَفْسَهُ يَرتَحِلُ بين حَنَايَا الأيَّام ، تائِهٌ بين الوَاقِعِ والأَحْلام .. ابتَسَمَ شُكري فجأةً ونهضَ من مكانه فوقَ تلك الصخرة التي أصبحَ بينه وبينها حِكايةُ عِشقٍ من نوعٍ آخر ، ثم تَمْتَمَ بِكلِماتٍ طالما أيقظتهُ من حالةِ اليَأسِ والخُمُول : ” احْمِل قَضِيَّة وَوَطَن .. ولا تَكُنْ مَحْمُولاً بِلا قِيمَة ، فَمَن يَصْدُقِ الله لَنْ يَنَلهُ أَذَى ، وَمَن رَجَاهُ يَكُونُ حَيثُ رَجَا .. أَنتُم جَنَّةٌ تُزهِرُ فِي قَلبِي كَمَا يُزهِرُ الوَطَن ، وَإنْ طَالَ بِنَا المَسِير.. وفي طَريقِهِ مَضَى يَسِير …

شاهد أيضاً

صورة سيلفي تكشف لون عيني نيللي كريم الحقيقي

أمد/ نشرت النجمة المصرية نيللي كريم صورة جديدة لها على صفحتها على "انستغرام" بدت فيها من دون مكياج. وتحرص نيللي كريم على نشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، وغالباً ما تكون على طبيعتها ومن دون مكياج، إلا أنها أثارت ضجة هذه المرة بالصورة السيلفي التي أظهرت لون عينيها الحقيقي. لاقت الصورة اعجاب الآلاف من متابعيها، وتباينت التعليقات بين من رأى لون عينيها أخضر، فيما رآه آخرون عسلياً. وفي الحقيقة، فإن لون عينيها يختلف بين اللونين بحسب الضوء وانعكاس ملابسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *