الثلاثاء , أكتوبر 27 2020

ترامب يتراجع

لا تقوم السياسة الأمريكية الخارجية على العنتريات، ولا على الانفعالات، والارتجال العاطفي، ولا ردة الفعل، ولا على التصريحات الهوجاء الغير محسوبة ومدروسة بدقة؛ بل تقوم على دراسة عميقة من قبل خبراء استراتيجيين ومحللين كبار، يحسبون كل خطون بدقة متناهية، ضمن حساب المكاسب والمخاسر السياسية قبل تنفيذ أية خطوة صغرت أم كبرت؛ بعكس زعماء العرب تماما؛ وهذا ما قد يفسر قدرة أمريكا على إدارة شؤون العالم بحسب ما تراه مناسبا لمصالحها هي؛ على حساب مصالح دول كثيرة في العالم. تراجع أو عدول ترامب، أو تأجيله لنقل السفارة للقدس المحتلة؛ يجيء ضمن القراءة السابقة لعظمة أمريكا، فهي حسبت وقدرت نتائج خطوة نقل السفارة وانعكاس ذلك على مصالحها ونظرة العالم لها، فوجدت أن الخسارة حليفتها في هكذا خطوة، خاصة أن ترامب ركز في خطاب التتويج واستلام مهام الرئاسة وإدارة أقوى دولة عظمى تدير شؤون العالم؛ أن أمريكا أولا… وأولا، وليس غير ذلك. المتحدث باسم البيت الأبيض "شون سبايسر" قال أن ترمب لم يتخذ بعدُ قرارا بشأن نقل سفارة بلاده في "إسرائيل" من "تل أبيب" إلى القدس، مضيفا انه "ليست هناك قرارات"، وذلك بعدما أكد في وقت سابق أن الولايات المتحدة في "المراحل المبكرة جدا" لمناقشة نقل السفارة إلى القدس. تصريحات وإعلان ترامب بخصوص اقتراح نقل السفارة الأمريكية للقدس المحتلة؛ جرت قبل فوزه وضمن الدعاية الانتخابية؛ ومن السهل عليه أن يتراجع بعد فوزه عن اقتراحه ووعوده والقول أن الظروف تغيرت، وان الوقت لم ينضج بعد. القدس لها مكانة دينية في عقائد أكثر من ملياري مسلم حول العالم، وكل خطوة غير محسوبة بشان وضع القدس ومكانتها؛ تمس عقائدهم ودينهم؛ فتاريخيا شنت دول الغرب الصليبية حروبا صليبية شرسة من اجل السيطرة الدينية على القدس المحتلة، ومن المنطق أن لا يقبلوا اعتبار القدس عاصمة ل"اسرائيل". هل من مصلحة ترامب استعداء العالم الإسلامي،أم كسبه لجانبه!؟ فلا يختلف اثنان على أن خطوة نقل السفارة لا تساهم في كسب ملياري مسلم؛ بل تزيد من الغضب والذي يوصل للمزيد من العنف. أقوى دافع جعل ترامب يتراجع عن خطوة نقل السفارة؛ هي ليست استعداء العالم الإسلامي على خطورته وزيادة الغضب والحنق على السياسات الأمريكية؛ بل هو الدافع العقائدي الديني؛ فأجداد ترامب احتلوا القدس 100 عام؛ وترامب وأمريكا هي امتداد للحضارة الغربية الأوروبية الصليبية بمعتقداتها وأفكارها مع بعض التعديلات التي جرت بفعل عامل الزمن. ما الذي تغير على المستوى العالمي وفي عالم السياسة الأمريكية؛ حتى يقبل ترامب على خطوة تعتبر في غاية الأهمية والخطورة العقائدية والسياسية؛ وامتنع عنها من سبوقه في الإدارات الأمريكية المختلفة!؟ نظرة الغرب وأمريكا ل"اسرائيل" أنها دولة صغيرة جدا؛ أوجدت بقرار غربي، ومنذ أن وجدت وهي في غرفة الإنعاش، وان رفع الغرب عنها المغذيات والأكسجين تموت، وتنتهي عن الوجود، وهو ما كان بعدم السماح للعرب بالانتصار في حروبهم عليها؛ وهي أصلا لم تقدر على هزيمة فصيل فلسطيني صغير خلال ثلاث حروب شنتها على غزة. في الخلاصة عالم اليوم تحكمه القوى؛ وليس الحقوق والعواطف، وكل فصيل فلسطيني، أو دولة عربية، أو دولة إقليمية ودولية؛ هي قادرة على أن تفرض احترامها على ترامب؛ بمقدار ما تحوز من قوة وليس حقوق، والقائد الذي يحترم جمهوره وشعبه ولا يستخف بعقولهم؛ يحترمه شعبه ويقدره وتخلده كتب التاريخ؛ كقائد ناجح؛ نجح في قيادة دفة السفينة لبر الأمان.

شاهد أيضاً

تركيا تدرج محمد دحلان على قائمة المطلوبين “الحمراء”

رابط فحص شيكات الشؤون الاجتماعية 2019 للأسر الفقيرة 12:24 - 04 ديسمبر 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *